الحكايات الخيالية (بين الهدم والبناء )

بقلم المدرب محمد علي
لا شك أن موضوع الحكايات الخيالية والخرافات استوقف الكثيرين من المهتمين بدراسة الأدب من الناحية النفسية والاجتماعية , ومدى تأثير هذه الحكايات على الأطفال ونضجهم النفسي والمعرفي .

البعض اعتبر عمر الأطفال مهم لفهم الحكاية ولعملية الفصل بين الواقع والخيال , وقد دارت الكثير من المناقشات حول العمر المثالي الذي يبدأ فيه الأطفال بسماع وقراءة الحكايات الخيالية
بالالتفات إلى العديد من النقاد في  بداية القرن التاسع عشر الذين كانوا يرون في تلك الحكايات صور هدامة للطفل لأنها تملا رؤوس الأطفال بأفكار مشوشة عن أحداث رائعة وخارقة للطبيعة .
ربما لا نوافق كما الكثيرين بشكل عام على الأفكار المطروحة هذه وربما نجد فيها الكثير من المبالغة , حتى أن بعض النقاد  أنفسهم ( كالسيدة تريمر ) كانوا يكتبون معظم قصصهم مستندين على الخرافات والأوهام وكانوا يعممون مفاهيم مشكوك في صحتها كالاعتقاد أن الساحرات والجنيات هن مخلوقات حقيقية , ولكن المشكلة الأساسية تكمن في نقل القصة لعالم الطفل , فعندما تنقل هذه القصص بواسطة مربية غير عارفة بأساليب التربية فإنها تحول مضمون القصة إلى حقيقة واقعية ممكنة , كما لا يمكننا إغفال الواقع الثقافي والاجتماعي في القرون السابقة وبدائية الحياة النسبية الذي سمح بالحفاظ على بقاء الخرافات القديمة وانتشار الحكايات الشعبية التي كانت بدورها متنفس ثقافي واجتماعي  في الحد الأدنى لمرحلة متأخرة بعض الشيء في التطور الإنساني .
على الرغم من كل ما سقناه في هذا المضمار يبقى الجدل الدائر حول الفروق العمرية سيد الموقف, فهناك من يعتبر أن الراشدين يسمعون هذه القصص بشيء من الشك والتحفظ ,إلا أن هناك من يشعر بالقلق لأن الأطفال لن يكون بإمكانهم إبداء تحفظ مشابه  تجاه  هذه الحكايات , ومن أبرز هؤلاء العالمة التربوية الإيطالية ماريا ( منتيسوري ) التي كانت دائما ضد أسلوب  ( فروبيل ) للتعليم في دور الحضانة والذي يعتبر تعريف الأطفال بالحكايات الخيالية جزء لا يتجزأ من المنهاج الدراسي في رياض الأطفال ,( منتيسوري ) ترى أن الحكايات الخيالية تناسب الأطفال في العام السابع من العمر تقريبا , أما في العام الرابع فقد تشكل هذه الحكايات خطرا جديا أو ربما مزمنا , وتدافع( مونتيسوري ) عن وجهة نظرها بأن الأطفال الصغار يفتقرون إلى التجربة الكافية التي تمكنهم من فصل الحقيقة عن الخيال , وقد يؤدي سماع هذه الحكايات في وقت مبكر من العمر إلى خلق حالة من الارتباك لديهم أو إلى أمور ربما تكون أسوأئ.
على أية حال لم تتوفر بعد الأدلة الكافية التي تدعم بعضا من توقعاتها بأخطار هذا النوع, ولكن لا يمكن إنكار أن الأطفال الصغار قد يصابون بالاضطراب جراء سماع القصص المخيفة , والتي يجب تجنبها بلا شك سواء في الحكايات الخيالية أم في غيرها .
يبقى لنا أن نقول بأن الحكايات الخيالية تلعب أدورا ايجابية وسلبية في نفس الوقت بدليل أن بعض الأطفال الذين قفزوا من النافذة تقليدا ( لجولدي لوكس ) الشخصية الطائرة والتي ناقشتها مونتيسوري واعتبرتها من الآثار السلبية , وجدنا أن هناك أطفالا آخرون قاموا بالقفز بشكل متهور من ارتفاعات سواء أكانوا قد قرؤوا بعض القصص المعينة أم لم يقرؤوها , كذلك الأمر علينا أن لا ننسى أن العديد من الأطفال يمكن أن يكونوا قد نجوا من الكوارث بواسطة تقليد أمثلة أكثر حكمة قد تعرفوا عليها من الحكايات الخيالية .
في النهاية يتوقف رد فعل الطفل وفهمه للحكاية على الراوي بشكل كبير وعلى نضج الطفل وتجاربه , ومن المهم أن يقوم الراوي بعملية البناء في طريقة السرد وفي عدم المبالغة بدافع الإثارة .إذ أن الإثارة تنبع من الحقيقة وإثارة الخيال بطريقة منطقية أكثر ما تنبع من المغالاة والهدم  .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جديد المركز